ابن أبي الحديد

154

شرح نهج البلاغة

ليكونوا ردءا لهم فوافوا الأنقاب وعليها المسلمون ، فأرسلوا إلى أبى بكر بالخبر ، فأرسل إليهم أن الزموا مكانكم ففعلوا ، وخرج أبو بكر في جمع من أهل المدينة على النواضح ، فانتشر العدو بين أيديهم ، واتبعهم المسلمون على النواضح حتى بلغوا ذا حسي فخرج ، عليهم الكمين بأحناء ( 1 ) قد نفخوها وجعلوا ، فيها الحبال ، ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل ، فتدهده ( 2 ) كل نحى منها في طوله ( 3 ) فنفرت إبل المسلمين ، وهم عليها - ولا تنفر الإبل من شئ نفارها من الأنحاء فعاجت بهم لا يملكونها حتى دخلت بهم المدينة ، ولم يصرع منهم أحد ولم يصب ، فبات المسلمون تلك الليلة يتهيئون ، ثم خرجوا على تعبية ، فما طلع الفجر إلا وهم والقوم على صعيد واحد ، فلم يسمعوا للمسلمين حسا ولا همسا حتى وضعوا فيهم السيف ، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم ، فما ذر قرن الشمس إلا وقد ولوا الادبار وغلبوهم على عامة ظهرهم ، ورجعوا إلى المدينة ظافرين ( 4 ) . قلت : هذا هو الحديث الذي أشار عليه السلام إلى أنه نهض فيه أيام أبى بكر . وكأنه جواب عن قول قائل : إنه عمل لأبي بكر ، وجاهد بين يدي أبى بكر ، فبين عليه السلام عذره في ذلك ، وقال : إنه لم يكن كما ظنه القائل ، ولكنه من باب دفع الضرر عن النفس والدين ، فإنه واجب سواء كان للناس إمام أو لم يكن . [ ذكر ما طعن به الشيعة في امامة أبى بكر والجواب عنها ] وينبغي حيث جرى ذكر أبى بكر في كلام أمير المؤمنين عليه السلام أن نذكر ما أورده قاضي القضاة في " المغني " من المطاعن التي طعن بها فيه وجواب قاضي القضاة .

--> ( 1 ) الأنحاء : جمع نحى ، وهو الزق . ( 2 ) دهدهوها : دفعوها . ( 3 ) الطول : الحبل يشد به . ( 4 ) تاريخ الطبري 3 : 244 ( طبعة المعارف ) مع تصرف واختصار